ثم يقول الحق سبحانه : { الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فالذين آمَنُواْ . . } .
ولقائل أنْ يقول : أليس الملْك لله يومئذ ، وفي كل يوم ؟ نعم ، الملْك لله في الدنيا وفي الآخرة ، لكن في الدنيا خلق الله خَلْقاً وملّكهم ، وجعلهم ملوكاً من باطن مُلْكه تعالى ، لكنه مُلْك لا يدوم ، كما قال سبحانه : { قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران : 26 ] .
إذن : ففي الدنيا ملوك مَلّكهم الله أمراً من الأمور ، ففيها ملك للغير ، أمّا في الآخرة فالملْك لله تعالى وحده : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] .
وفي القيامة { الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ . . } [ الحج : 56 ] فقد رَدَّ الملْك كله إلى صاحبه ، ورُدَّت الأسباب إلى مُسبِّبها .
ومعنى { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ . . } [ الحج : 56 ] أن هناك خصومةً بين طرفين ، أحدهما على حق ، والآخر على باطل ، والفَصْل في خصومات الدنيا تحتاج إلى شهود ، وإلى بينة ، وإلى يمين فيقولون في المحاكم : البينة على المدَّعي واليمين على مَنْ أنكر ، هذا في خصومات الدنيا ، أما خصومات الآخرة فقاضيها الحق - سبحانه وتعالى - الذي يعلم السرَّ وأخفى ، فلا يحتاج إلى بينة ولا شهود ولا سلطة تُنفِّذ ما حكم به .
تفسير الشعراوي — صفحة 9893
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٩٣