محكمة الآخرة لا تحتاج فيها إلى مُحامٍ ، ولا تستطيع فيها أنْ تُدلِّس على القاضي ، أو تُؤجِّر شاهد زور ، لا تستطيع في محكمة الآخرة أن تستخدم سلطتك الزمنية فتنقض الحكم ، أو تُسقطه ؛ لأن الملْك يومئذ لله وحدة ، والحكم يومئذ لله وحدة ، هو سبحانه القاضي والشاهد والمنفِّذ ، الذي لا يستدرك على حكمه أحد .
وما دام هناك حكومة ، فلا بُدَّ أن تسفر عن محكوم له ومحكوم عليه ، ويُوضِّحهما قوله تعالى : { فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جَنَّاتِ النعيم } [ الحج : 56 ] .
وهؤلاء هم الفائزون الذين جاء الحكم في صالحهم .
وهؤلاء هم الجبابرة وأصحاب السيادة في دنيا الكفر والعناد ، والذين حكم الله عليهم بالعذاب الذي يُهينهم بعد عِزَّتهم وسلطانهم في الدنيا ، وتلحظ أن العذاب يُوصَف مرة بأنه أليم ، ومرة بأنه عظيم ، ومرة بأنه مُهين .
فالعذاب الأليم الذي يُؤلم صاحبه ، لكنه قد يكون لفترة ثم ينتهي ، أما العذاب العظيم فهو الدائم ، والمهيمن هو الذي يُذِله ويدوس كرامته التي طالما اعتز بها . وأنت تجد الناس يختلفون في تقبُّل ألوان العذاب : فمنهم مَنْ لا يؤثر فيه الضرب الموجع ولا يحركه ، لكن تؤلمه
تفسير الشعراوي — صفحة 9894
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٩٤