جلال ربه لخشع له ، تواضع وأنكسر لخلقه ، فالتكبر دليل غفلة عن عظمة الله ، كأنه لم يشهد خالقه .
إذن : تستطيع أن تقول أن الإخبات على نوعين : إخبات لله بالخضوع والخشوع والتعظيم لأوامره ، وإخبات لخلق الله ، بحيث لا ينتصر لظلمه ولا يظلم ، إنما يتسامح ويعفو ؛ لأنه يعلم جيدا أنه إذا ظلم من مخلوق تعصب له الخالق .
ولك أن تنظر إلى أولادك إذا ظلم أحدهم الآخر فإلى من تنحاز ، ومع من تتعاطف ؟ لا شك أنك ستميل إلى المظلوم ، وتحنو عليه ، وتريد أن تعوضه عما لحقه من الظلم ، حتى إن الظالم ليندم على ظلمه ؛ لأنه ميز أخاه المظلوم عليه ، وربما تمنى أن يكون هو المظلوم لا الظالم .
كذلك حال المخبت يرى أن الخلق جميعا عيال الله ، وأن أحبهم إليه أرافهم بعياله ؛ لذلك يعفو عمن ظلمه ، ويترك أمره لله رب الجميع ، كما أن المظلوم إذا رد الظلم فإنه يرده بقوته ومقدرته هو ، إنما إن ترك الرد لله جاء الرد على مقدار قوته سبحانه .
ملحظ آخر ينبغي أن يتنبه له المظلوم قبل أن يفكر في الانتقام ، وهو : من يدريك لعلك ظلمت أنت أيضا دون أن تدرى ، لعل للناس عندك مظالم لا تشعر بها ، وليست في حسبانك ، فالمسألة - إذن - لك وعليك .
لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي : " يا ابن آدم دعوت على من ظلمك " .
وهذا مباح لك بقوله تعالى : * ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول
تفسير الشعراوي — صفحة 9819
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨١٩