وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى : { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] .
فمرة يقول { وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . } [ الحج : 35 ] ومرة { تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] ، لماذا ؟ لأن ذكر الله إنْ جاء بعد المخالفة لا بُدَّ للنفس أنْ تخاف وتَوْجَل وتضطرب هيبةً لله عَزَّ وَجَلَّ ، أما إنْ جاء ذِكْر الله بعد المصيبة أو الشدة فإن النفس تطمئنُّ به ، وتأنَسُ لما فيها من رصيد إيماني ترجع إليه عند الشدة وتركَنُ إليه عند الضيق والبلاء ، فإنْ تعرَّضَت لمصيبة وعزَّتْ أسبابُ دَفْعها عليك تقول : أنا لي رب فتلجأ إليه ، كما كان من موسى - عليه السلام - حين قال : { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الشعراء : 62 ] .
{ والصابرين على مَآ أَصَابَهُمْ . . } [ الحج : 35 ] ومعنى أصاب : يعني جاء بأمر سئ في عُرْفك أنت ، فتعده مصيبة ؛ لأننا نُقدِّر المصيبة حَسْب سطحية العمل الإيذائي ، إنما لو أخذتَ مع المصيبة في حسابك الأجر عليها لهانَتْ عليك وما أعتبرتَها كذلك ؛ لذلك في الحديث الشريف يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « المصاب من حرم الثواب » .
هذا هو المصاب حقاً الذي لا تُجبَر مصيبته ، أما أنْ تُصاب بشيء فتصبر عليه حتى تنالَ الأجر فليس في هذا مصيبة .
ثم يقول سبحانه : { والمقيمي الصلاة . . } [ الحج : 35 ] لأن الصلاة هي الولاء الدائم للعبد المسلم ، والفرض الذي لا يسقط عنه بحال من الأحوال ، فالشهادتان يكفي أنْ تقولها في العمر مرة ، والزكاة إنْ كان عندك نِصَاب فهي مرة واحدة في العام كله ، والصيام كذلك ، شهر في العام ، والحج إنْ كنتَ مستطيعاً فهو مرة واحدة في
تفسير الشعراوي — صفحة 9821
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٢١