على هذه الأحكام ، وأتحدى أيَّ إنسان ينوي الحج ويأخذ في الإحرام به ، ثم يفكر في معصية ؛ لأنه يُعِدُّ نفسه لمرحلة جديدة يتطهر فيها من الذنوب ، فكيف يكتسب المزيد منها وقد أتى من بلاد بعيدة ليتطهر منها ؟
وفي الحجِّ يتأدب الحاج مع الحيوان ، فلا يصيده ولا يقتله ، ومع النبات فلا يقطع شجراً .
يتأدب حتى مع الجماد الذي يعتبره أَدْنى أجناس الكون ، فيحرص على تقبيل الحجر الأسود ، ويجتهد في الوصول إليه ، فإنْ لم يستطع أشار إليه بيده .
إن الحج التزام وانضباط يفوق أيَّ انضباط يعرفه أهل الدنيا في حركة حياتهم ، ففي الحج ترى هذا الإنسان السيد الأعلى لكل المخلوقات كَمْ هو منكسر خاضع مهما كانت منزلته ، وكم هي طمأنينة النفس البشرية حين تُقبِّل حجراً وهي راضية خاضعة ، بل ويحزن الإنسان إذ لم يتمكن من تقبيل الحجر .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : { وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ . . } [ الحج : 28 ] يذكروا اسم الله ؛ لأن كل أعمال الحج مصحوبة بذكر الله وتلبيته ، فَمَا من عمل يُؤدِّيه الحاجّ إلا ويقول : لبيك اللهم لبيك . وتظل التلبية شاغله ودَيْدنه إلى أنْ يرمي جمرة العقبة ، ومعنى « لبيك اللهم لبيك » أن مشاغل الدنيا تطلبني ، وأنت طلبتني لأداء فَرْضِك عليَّ ، فأنا أُلبِّيك أنت أولاً ؛ لأنك خالقي وخالق كل ما يشغلني ويأخذني منك .
تفسير الشعراوي — صفحة 9788
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٨٨