ولولا أن الله تعالى ذَلَّلها لِخدمتك ما استطعْتَ أنت تذليلها والانتفاع بها ؛ لذلك من حكمة الله أنْ يترك بعض خَلْقه غير مُسْتأنس ، ولا يمكن لك بحال أن تستأنسه أو تُذلّله لتظل على ذِكْر لهذه النعمة ؛ وتشكر الله عليها .
وسبق أن ضربنا مثلاً بالبرغوث ، وهو أَدْنى هذه المخلوقات ، ولا تكاد تراه ، ومع ذلك لا تقدر عليه ، وربما أقضَّ مَضْجعك ، وأقلق نومك طوال الليل . وتلمس هذه النعمة في الجمل الذي يقوده الصبي الصغير ، إذا حرن منك فلا تستطيع أن تجعله يسير رغماً عنه ، أو صَالَ فلا يقدر عليه أحد ، وقد يقتل صاحبه ويبطش بمَنْ حوله .
إذن : لا قدرة لك عليه بذاتك ، إنما بتذليل الله يمكن الانتفاع به ، فتسوقه إلى نَحْره ، فيقف ساكناً مُسْتسلماً لك .
والمتأمل في حال الحيوانات التي أحلها الله لنا يجد امرها عجيباً ، فالحيوان الذي أحلَّه الله لك تظل تنتفع به طوال عمره ، فإذا ما تعرّض لما يُزهِق روحه ، ماذا يفعل ؟ يرفع رأسه إلى أعلى ، ويعطيك مكان ذَبْحه ، وكأنه يقول لك : أنا في اللحظات الأخيرة فاجتهد في أنْ تنتفع بلحمي ، وأهل الريف إذا شاهدوا مثل هذه الحالة يقولون : طلب الحلال يعني الذبح . أما الحيوان الذي لا يُذبح ولا يُحله الله فيموت مُنكَّس الرأس ؛ لأنه لا فائدة منه .
هذا الحيوان الذي نتهمه بالغباء ونقول أنه بهيم . . الخ لو فكرتَ
تفسير الشعراوي — صفحة 9790
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٩٠