تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9757

مساهمون:

ص٩٧٥٧
عملية مُعقَّدة تتضافر فيها الإرادة والعقل والأعصاب والأعضاء ، وأنت نفسك لا تشعر بشيء من هذا كله ، وهل في قيامك أمرتَ الجوارح أنْ تتحرَّك فتحركتْ ؟ فإذا كانت جوارحك تنفعل لك وتطاوعك لمجرد الإرادة ، أفلا يكون أوْلى من هذا أنْ ينفعل خَلْق الله لإرادة الله ؟ إذن : العمدة في الأفعال ليستْ الجوارح وإنما الإرادة ، بدليل أن الله تعالى إذا أراد أنْ يُعطِّل جارحة من الجوارح عطّل الإرادة الآمرة ، وقطعها عن الجارحة ، فإذا هي مشلولة لا حركةَ فيها ، فإنْ أراد الإنسان تحريكها بعد ذلك فلن يستطيع ، لماذا ؟ لأنه لا يعلم الأبعاض التي تُحرِّك هذه الجارحة ، ولو سألتَ أعلم الناس في علم الحركة والذين صنعوا الإنسان الآلي : ما الحركة الآلية التي تتم في جسم الإنسان كي يقوم من نومه أو من جِلْسته ؟ ولن يستطيع أحد أنْ يصفَ لك ما يتم بداخل الجسم في هذه المسألة . أما لو نظرتَ مثلاً إلى الحفَّار ، وهو يُؤدِّي حركات أشبه بحركات الجسم البشري لوجدتَ صبياً يشغله باستخدام بعض الأزرار ، ويستطيع أنْ يصِفَ لك كل حركة فيه ، وما الآلات التي تشترك في كل حركة . فَقُلْ لي بالله : ما الزر الذي تضغط عليه لتحرك يدك أو ذراعك ؟ ما الزر الذي تُحرِّك به عينيك ، أو لسانك ، أو قدمك ؟ إنها مجرد إرادة منك فينفعل لك ما تريد ؛ لأن الله تعالى خلقك ، وجعل لإرادتك السيطرة الكاملة على جوارحك ، فلا تستبعد أنْ تنفعل المخلوقات لله - عَزَّ وَجَلَّ - إنْ أراد منها أنْ تفعلَ . حتى العذاب في الآخرة ليس لهذه الجوارح والأبعاض ، إنما العذاب للنفس الواعية ، بدليل أن الإنسان إذا تعرَّض لألم شديد