لكن ، لماذا لم يجعل الله - سبحانه وتعالى - الخَلْق جميعاً مُسخَّرين ؟
قالوا : لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل ، إنما لا تُثبت لله المحبوبية ، المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار : أن تكون حُرَّا مختاراً في أنْ تُؤمنَ أو تكفر فتختار الإيمان ، وأنْ تكون حُراً وقادراً على المعصية ، لكنك تطيع .
وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - : هَبْ أن عندك عبدين ، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلاً ، وتترك الآخر حُراً ، فإن ناديتَ عليهما أجاباك ، فأيهما يكون أطْوعَ لك : المقهور المجبر ، أم الحر الطليق ؟ .
إذن : التسخير والقهر يُثبت القدرة ، والاختيار يُثبت المحبة .
والخلاف الذي حدث من الناس ، فكثير منهم آمن ، وكثير منهم حَقَّ عليه العذاب ، من أين هذا الاختلاف يا رب ؟ مما خلقتُه فيك من اختيار ، فمَنْ شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، فكأن كفر الكافر واختياره ؛ لأن الله سَخَّره للاختيار ، فهو حتى في اختياره مُسخَّر .
أما قوله تعالى : { وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس . . } [ الحج : 18 ] يعني : باختياراتهم ، وكان المفروض أن يقول في مقابلها : وقليل ، لكن هؤلاء كثير ، وهؤلاء كثير أيضاً .
ومعنى : { حَقَّ عَلَيْهِ العذاب . . } [ الحج : 18 ] حقَّ : يعني ثبتَ ، فهذا أمر لا بُدَّ منه ، حتى لا يستوي المؤمن والكافر : { أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين } [ القلم : 35 ] إذن : لا بُدَّ أنْ يعاقب هؤلاء ، والحق يقتضي ذلك .
وقوله سبحانه : { وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا
تفسير الشعراوي — صفحة 9754
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٥٤