تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9753

مساهمون:

ص٩٧٥٣
ويتنافسون لا للمباهاة والافتخار ، إنما للترقي في القرب من الله . جلس اثنان من هؤلاء العارفين وفي فَمِ أحدهم نَخْمة يريد أنْ يبصقها ، وبدتْ عليه الحيرة ، وهو ينظر هنا وهناك فقال لَه صاحبه : أَلْقِها واسترحِ ، فقال : كيف وكلما أردتُ أنْ أبصقها سمعت الأرض تُسبِّح فاستحيْتُ أنْ أُلقيها على مُسبِّح ، فقال الآخر - ويبدو أنه كان في منزلة أعلى منه - وقد افتعل البَصْق وقال : مُسبِّح في مُسبِّح . إذن : فأهل الكشف والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح ، ويعترفون به ، وعلى قدر ما لديك من معرفة بالله ، وما لديك من فَهْم وإدراك يكون تلقِّيك وتقبُّلك لمثل هذه الأمور الإيمانية . والحق - سبحانه وتعالى - حين قال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض . . } [ الحج : 18 ] معلوم أن مَنْ في السماوات هم الملائكة ولسنْا منهم ، لكن نحن من أهل الأرض ويشملنا حكم السجود وندخل في مدلولة ، فلماذا قال بعدها : { وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب . . } [ الحج : 18 ] . كلمة : { وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب . . } [ الحج : 18 ] تُبيّن أن لنا قهريةً وتسخيراً وسجوداً كباقي أجناس الكون ، ولنا أيضاً نطقة اختيار . فالكافر الذي يتعوَّد التمرُّد على خالقه : يأمره بالإيمان فيكفر ، ويأمره بالطاعة فيعصي ، فلماذا لا يتمرد على طول الخط ؟ لماذا لا يرفض المرض إنْ أمرضه الله ؟ ولماذا لا يرفض الموت إنْ حَلَّ به ؟ إذن : الإنسان مُؤتمِر بأمر الله مثل الشجر والحجر والحيوان ، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام : كثير آمن ، وكثير حَقَّ عليه العذاب .