وكان على العقل البشري أن يفكر في كل هذه الأجناس التي تخدمه : ألك قدرة عليها ؟ لقد خدمتْكَ منذ صِغَرِك قبل أنْ تُوجِّه إليها أمراً ، وقبل أنْ توجدَ عندك القدرة لتأمر أو لتتناول هذه الأشياء ، كان عليك أنْ تتنبه إلى القوة الأعلى منك ومن هذه المخلوقات ، القوة التي سخَّرَتْ الكون كله لخدمتك ، وهذا بَحْث طبيعي لا بُدَّ أن يكون .
هذه الأشياء في خدمتها لك لم تتأبَّ عليك ، ولم تتخلف يوماً عن خدمتك ، انظر إلى الشمس والقمر وغيرهما : أقالت الشمس يوماً : إن هؤلاء القوم لا يستحقون المعروف ، فلن أطلع عليهم اليوم ؟ !
الأرض : هل ضنَّتْ في يوم على زراعها ؟ الريح : هل توقفتْ عن الهبوب . وكلها مخلوقات أقوى منك ، ولا قدرةَ لك عليها ، ولا تستطيع تسخيرها ، إنما هي في قبضة الله - عَزَّ وَجَلَّ - ومُسخَّرة لك بأمره سبحانه ، ولأنها مُسخَّرة فلا تتخلف أبداً عن أداء مهمتها .
أما الإنسان فيأتي منه الفساد ، ويأتي منه الخروج عن الطاعة لما منحه الله من منطقة الاختيار .
البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة ، لا سجوداً على حقيقته ، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى : { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ . . } [ النور : 41 ] .
فلكل مخلوق مهما صَغُر صلاة وتسبيح وسجود ، يتناسب وطبيعته ، إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدتَ اختلافاً بين الناس باختلاف الأحوال ، وهم نوع واحد ، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد وهو على الفراش ، أو جالس على مقعد ، وربما يشير بعينه ، أو أصبعه للدلالة على السجود ، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره .
تفسير الشعراوي — صفحة 9751
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٥١