قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ . . } [ الحج : 18 ] يعني : ألم تعلم ؛ لأن السُجود من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا ، ولكل جنس من أجناس الكون سجود يناسبه .
وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة : أدناها الجماد ، ثم يليه النبات ، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية الحركة ، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس ، ثم يليه الإنسان ويزيد عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل .
وكل جنس من هذه الأجناس يخدم ما هو أعلى منه ، حيث تنتهي هذه الدائرة بأن كل مَا في كون الله مُسخَّر لخدمة الإنسان ، وفي الخبر : « يا ابن آدم خلقتُ الأشياء من أجلك ، وخلقتُكَ من أجلي ، فلا تشتغل بما هو لك عَمَّنْ أنت له » .
فكان على الإنسان أن يفكر في هذه الميْزة التي منحه ربه إياها ، ويعلم أن كل شيء في الوجود مهما صَغُر فله مهمة يؤديها ، ودَوْر يقوم به . فأَوْلَى بك أيها الإنسان وأنت سيد هذا الكون أن يكون لك مهمة ، وأن يكون لك دور في الحياة فلستَ بأقلَّ من هذه المخلوقات التي سخَّرها الله لك ، وإلاَّ صِرْتَ أقلّ منها وأدنى .
إن كانت مهمة جميع المخلوقات أنْ تخدمك لأنك أعلى منها ، فانظر إلى مهمتك لمَنْ هو أعلى منك ، فإذا جاءك رسول من أعلى منك ليُنبِّهك إلى هذه المهمة كان عليك أن تشكره ؛ لأنه نبَّهك إلى ما ينبغي لك أن تشتغل به ، وإلى مَنْ يجب عليك الاتصال به دائماً لذلك فالرسول لا يصح أن تنصرف عنه أبداً ؛ لأنه يُوضِّح لك مسائل كثيرة هي مَحَلٌّ للبحث العقلي .
تفسير الشعراوي — صفحة 9750
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٥٠