فلماذا تركتم الخير وناقشتم في الشر ؟
والمتأمل في الآيات التي تتحدث عن مشيئة الله في الإضلال والهداية يجد أنه سبحانه قد بيِّن مَنْ شاء أنْ يُضلّه ، وبين مَنْ شاء أنْ يهديه ، اقرأ قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } [ المائدة : 67 ] إذن : كُفْره سابق لعدم هدايته وقوله : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين } [ المنافقون : 6 ] وقوله : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } [ القصص : 50 ] .
إنما يهدي مَنْ آمن به ، أما هؤلاء الذين اختاروا الكفر واطمأنوا إليه وركنوا ، فإن الله تعالى يختم على قلوبهم ، فلا يدخلها الإيمان ، ولا يخرج منها الكفر ، لأنهم أحبُّوه فزادهم منه كما زاد المؤمنين إيماناً : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى . . } [ محمد : 17 ] .
والهداية هنا بمعنى الدلالة على الخير ، وسبق أنْ ضربنا لها مثلاً ، ولله تعالى المثَل الأعلى : هَبْ أنك تسلك طريقاً لا تعرفه ، فتوقفتَ عند جندي المرور وسألته عن وجهتك فدلَّكَ عليها ، ووصف لك الطريق الموصِّل إليها . لكن ، هل دلالته لك تُلزمك أنْ تسلك الطريق الذي وُصِف لك ؟
بالطبع أنت حُرٌّ تسير فيه أو في غيره . فإذا ما حفظتَ لرجل المرور جميلَهُ وشكرته عليه ، ولمس هو فيك الخير ، فإنه يُعينك بنفسه على عقبات الطريق ، وربما ركب معك ليجتاز بك منطقة خطرة يخاف عليك منها . هذا معنى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ } [ محمد : 17 ] .
أما لو تعاليتَ على هذا الرجل ، أو اتهمته بعدم المعرفة بمسالك الطرق ، فإنه يدعُكَ وشأنك ، ويضِنُّ عليك بمجرد النصيحة .
تفسير الشعراوي — صفحة 9744
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٤٤