هذا قياس مع الفارق ومع الاعتراف بأخطاء الأطباء في وصف الدواء ، لكن لتوضيح المسألة ولله المثل الأعلى ، وصدق القائل :
سُبْحانَ مَنْ يَرِثُ الطَّبِيبَ وطِبَّهُ . . . ويُرِي المريض مَصَارِعَ الآسِينا
إذن : حجة كل أمر ليس أن نعلم حكمته ، إنما يكفي أنْ نعلم الآمر به .
ومعنى { آيَاتٍ . . } [ الحج : 16 ] أي : عجائب { بَيِّنَاتٍ . . } [ الحج : 16 ] واضحات . وسبق أنْ ذكرنا أنْ كلمة الآيات تُطلَق على معَانٍ ثلاثة : الآيات الكونية التي تُثبِت قدرة الله ، وبها يستقر الإيمان في النفوس ، ومنها الليل والنهار والشمس والقمر ، والآيات بمعنى المعجزات المصاحبة للرسل لإثبات صِدْق بلاغهم عن الله ، والآيات التي يتكوَّن منها القرآن ، وتُسمَّى « حاملة الأحكام » .
فالمعنى هنا { وكذلك أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ . . } [ الحج : 16 ] تحمل كلمة الآيات كُلَّ هذه المعاني ، فآيات القرآن فيها الآيات الكونية ، وفيها المعجزة ، وهي ذاتها آيات الأحكام .
ثم يقول سبحانه : { وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ . . } [ الحج : 16 ] وهذه من المسائل التي وقف الناس حولها طويلاً : { يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ . . } [ النحل : 93 ] وأمثالها تمسَّك بها مَنْ ليس لهم حَظٌّ من الهداية ، يقولون : لم يُرِدِ الله لنا الهداية ، فماذا نفعل ؟ وما ذنبنا ؟
وهذه وقفة عقلية خاطئة ؛ لأن الوَقْفة العقلية تقتضي أنْ تذكر الشيء ومقابله ، أما هؤلاء فقد نبَّهوا العقل للتناقض في واحدة وتركوا الأخرى ، فهي - إذن - وَقْفة تبريرية ، فالضال الذي يقول : لقد كتب الله عليَّ الضلال ، فما ذنبي ؟ لماذا لم يَقُلْ : الطائع الذي كتب الله له الهداية ، لماذا يثيبه ؟ !
تفسير الشعراوي — صفحة 9743
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٤٣