وما أشبه الإنسان في هذه القضية بسيد شرس سئ الخُلق ، لديه عبيد كثيرون ، يعانون من سُوء معاملته ، فيلتمسون الفرصة للابتعاد عنه والخلاص من معاملته السيئة .
على خلاف الكافر ، فذراته مؤمنة وإرادته كافرة ، فلا انسجام ولا توافق بين الإرادة والتكوين المادي له ، لذا ترى طبيعته قلقة ، ليس هناك تصالح بينه وبين ذراته ، لأنها تبغضه وتلعنه ، وتود مفارقته .
ولولا أن الخالق سبحانه جعلها مُنْقادةً له لما طاوعتْه ، وإنها لتنتظر يوم القيامة يوم أنْ تفكّ من إرادته ، وتخرج من سجنه ، لتنطق بلسان مُبين ، وتشهد عليه بما اقترف في الدنيا من كفر وجحود ؛ لذلك ترى الكافر ينام كثيراً ، وكأن أعضاءه تريد أن ترتاح من شره .
ولا بُدّ أن نعلم أن ذرات الكون وذرات الإنسان في تسبيحها للخالق سبحانه ، أنه تسبيح فوق مدارك البشر ؛ لذلك قال تعالى : { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . } [ الإسراء : 44 ]
فلا يفقهه ولا يفهمه إلا مَنْ منحه الله القدرة على هذا ، كما منح هذه الميزة لداود عليه السلام فقال : { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير وَكُنَّا فَاعِلِينَ } [ الأنبياء : 79 ]
وهنا قد يقول قائل : ما الميزة هنا ، والجبال والطير تُسبّح الله بدون داود ؟
والميزة هنا لداود عليه السلام أن الله تعالى أسمعه تسبيح الجبال وتسبيح الطير ، وجعلها تتجاوب معه في تسبيحه وكأنه (
تفسير الشعراوي — صفحة 8423
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٢٣