حجة لمَنْ جهله بعد ذلك ؛ لأن الجهل به بعد الإعلام عنه لا يُعفِي من العقوبة .
فكأن قول الله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] يجمع هذه الأركان السابقة : الجريمة ، والعقوبة ، والنص ، والإعلام ، حيث أرسل الله الرسول يُعلِّم الناس منهج الحق سبحانه ، ويُحدّد لهم ما جرمه الشرع والعقوبة عليه .
لذلك يقول تعالى في آية أخرى : { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر : 24 ]
ويقول : { يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مِّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ . . } [ المائدة : 19 ]
إذن : قد انقطعت حجتكم برسالة محمد البشير النذير صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
وقد وقف العلماء أمام هذه القضية فقالوا : إن كانت الحجة قد قامت على مَن آمن برسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فما بال الكافر الذي لم يؤمن ولم يعلم منهج الله ؟ وكأنهم يلتمسون له العذر بكفره .
نقول : لقد عرف الإنسان ربه عَزَّ وَجَلَّ أولاً بعقله ، وبما ركّبه فيه خالقه سبحانه من ميزان إيماني هو الفطرة ، هذه الفطرة هي المسئولة عن الإيمان بقوة قاهرة وراء الوجود ، وإنْ لم يأتِ رسول ، والأمثلة كثيرة لتوضيح هذه القضية :
هَبْ أنك قد انقطعتْ بك السُّبل في صحراء واسعة شاسعة لا تجد
تفسير الشعراوي — صفحة 8419
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤١٩