تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8976

مساهمون:

ص٨٩٧٦
كفروا ، قال : { امرأة نُوحٍ وامرأة لُوطٍ . . } [ التحريم : 10 ] ولم يُعيّنهما على التحديد ؛ لأن الهدف من ضرب المثل هنا بيان الرسول المرسَل من الله لهداية الناس لم يتمكّن من هداية زوجته وأقرب الناس إليه ؛ لأن الإيمان مسألة شخصية ، لا سيطرة فيها لأحد على أحد . وكذلك لما ضرب الله مثلاً للذين آمنوا قال : { امرأة فِرْعَوْنَ . . } [ التحريم : 11 ] ففرعون الذي أضَلَّ الناس وادَّعى الألوهية زوجته مؤمنة ، وكأن الحق سبحانه يُلمِّح للناس جميعاً أن رأيك في الدين وفي العقائد رَأْي ذاتي ، لا يتأثر بأحد أيّاً كان ، لا في الهداية بنبي ، ولا في الغواية بأضلِّ الضالين الذي ادعى الألوهية . وهكذا يحفظ الإسلام للمرأة دورها وطاقتها ويحترم رأيها . إذن : الحق سبحانه وتعالى أتى بهذه القصة غير مُشخّصة لتكون نموذجاً وأُسْوة يحتذي بها كل أحد ، وإلاَّ لو شخصتْ لارتبطتْ بهذا الشخص دون غيره ، أما حينما تكلم الحق سبحانه عن مريم فنراه يحددها باسمها ، بل واسم أبيها ؛ ذلك لأن ما سيحدث لمريم مسألة خاصة بها ، ولن تحدث بعدها أبداً في بنات آدم ، لذلك عيَّنها وشخَّصها ؛ لأن التشخيص ضروري في مثل هذا الموقف . أما حين يترك المثل أو القصة دون تشخيص ، فهذا يعني أنها صالحة لأنْ تتكرر في أيّ زمان أو في أيّ مكان ، كما رأينا في قصة أهل الكهف ، وكيف أن الحق سبحانه أبهمهم أسماءً ، وأبهمهم مكاناً وأبهمهم زماناً ، وأبهمهم عدداً ، ليكونوا أُسْوة وقُدْوة للفتيان المؤمنين في أيِّ زمان ، وفي أيِّ مكان ، وبأيِّ عدد . وقوله : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين . . } [ الكهف : 83 ]