كلها من أرض وسماء ، وشمس وقمر ، وهواء وجبال ومياه .
فصفات الكمال ثابتة له سبحانه قبل أن يخلق الخَلْق ، إذن : فطاعتهم لن تزيده سبحانه شيئاً ، كما أن معصيتهم لن تضره سبحانه في شيء .
وهنا قد يسأل سائل : فلماذا التكليفات إذن ؟
نقول : إن التكليف من الله لعباده من أجلهم وفي صالحهم ، لكي تستمر حركة حياتهم ، وتتساند ولا تتعاند ؛ لذلك جعل لنا الخالق سبحانه منهجاً نسير عليه ، وهو منهج واجب التنفيذ لأنه من الله ، من الخالق الذي يعلم من خلق ، ويعلم ما يصلحهم ويُنظم حياتهم ، فلو كان منهج بشر لبشر لكان لك أنْ تتأبّى عليه ، أما منهج الله فلا ينبغي الخروج عليه .
لذلك نسمع في الأمثال الدارجة عند أهل الريف يقولون : الأصبع الذي يقطعه الشرع لا ينزف ، والمعنى أن الشرع هو الذي أمر بذلك ، فلا اعتراض عليه ، ولو كان هذا بأمر البشر لقامت الدنيا ولم تقعُدْ .
ومن كماله سبحانه وغِنَاهُ عن الخَلْق يتحمل عنهم ما يصدر عنهم من أحكام أو تجنٍّ أو تقصير ؛ ذلك لأن كل شيء عنده بمقدار ، ولا يُقضى أمر في الأرض حتى يُقضى في السماء ، فإذا كلَّفْتَ واحداً بقضاء مصلحة لك ، فقصّر في قضائها ، أو رفض ، أو سعى فيها ولم يُوفّق نجدك غاضباً عليه حانقاً .
وهنا يتحمّل الخالق سبحانه عن عباده ، ويُعفيهم من هذا الحرج ،
تفسير الشعراوي — صفحة 8413
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤١٣