عليك أنْ تحرص على تدريبه لمواجهة الحياة ، لا أن تجعله في مَعْزل عنها إلى أنْ يبلغَ الرشْد ، ثم تدفع إليه بماله فلا يستطيع التصرف فيه لعدم خبرته ، وإنْ فشل كانت التجربة في ماله والخسارة عليه .
إذن : فاختبار اليتيم يتمُّ وهو ما يزال في ولايتك ، وتحت سمعك وبصرك رعاية لحقه . { حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ . . } [ النساء : 6 ] وهو سن البلوغ ، ولم يقُلْ بعدها : فادفعوا إليهم أموالهم ؛ لأن بعد البلوغ شرطاً آخر { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً . . } [ النساء : 6 ] فعلى الوصيّ أنْ يُراعِيَ هذا الترتيب :
أنْ تُراعي اليتيم وهو تحت ولايتك ، وتدفع به في مُعْتَرك الحياة وتجاربها حتى يتمكن من مواجهة الحياة ولا يتخبط في ماله لعدم تجربته وخبرته ، فإن علمت رشده بعد البلوغ فادفع إليه بماله ليتصرف فيه ، فإن لم تأنس منه الرشد وحسن التصرف فلا تترك له المال يبدده بسوء تصرفه . لذلك يقول تعالى في هذا المعنى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أَمْوَالَكُمُ . . } [ النساء : 5 ] ولم يقُلْ : أموالهم ؛ لأن السفيه لا مالَ له حال سَفَهه ، بل هو مالكم لِتُحسِنوا التصرف فيه وتحفظوه لصاحبه لحين تتأكد من رُشْده .
إذن : فالرشد الذي طلبه موسى من العبد الصالح هو سداد التصرف والحكمة في تناول الأشياء ، لكن هل يعني ذلك أن موسى عليه السلام لم يكن راشداً ؟ لا ، بل كان راشداً في مذهبه هو كرسول ، راشداً في تبليغ الأحكام الظاهرية .
أما الرشد الذي طلبه فهو الرشد في مذهب العبد الصالح ، وقد دلّ هذا على أنه طلب شيئاً لم يكن معلوماً له ، وهذا لا يقدح في
تفسير الشعراوي — صفحة 8956
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٥٦