تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8954

مساهمون:

ص٨٩٥٤
ثم وصف الحق سبحانه هذا العبد الصالح ، فقال : { آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا . . } [ الكهف : 65 ] وقد تكلم العلماء في معنى الرحمة هنا ، فقالوا : الرحمة وردتْ في القرآن بمعنى النبوة ، كما في قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] فكان رَدُّ الله عليهم : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ . . } [ الزخرف : 32 ] أي : النبوة ، ومطلق الرحمة تأتي على يد جبريل عليه السلام وعلى يد الرسل ، أما هذه الرحمة ، فمن عندنا مباشرة دون واسطة الملَك ؛ لذلك قال تعالى : { آتَيْنَاهُ . . } [ الكهف : 65 ] نحن ، وقال : { مِّنْ عِندِنَا . . } [ الكهف : 65 ] فالإتيان والعندية من الله مباشرة . ثم يقول بعدها : { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً . . } [ الكهف : 65 ] أي : من عندما لا بواسطة الرسل : لذلك يسمونه العلم اللدني ، كأنه لا حرجَ على الله تعالى أن يختار عبداً من عباده ، ويُنعِم عليه بعلم خاص من وراء النبوة . إذن : علينا أنْ نُفرِّق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرسول وتوجيهاته ، وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده ؛ لأن الرسول يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتكاليف : افعل كذا ولا تفعل كذا ، لكن هناك أحكام أخرى غير ظاهرية لها عِلَل باطنة فوق العِلل الظاهرية ، وهذه هي التي اختصَّ الله بها هذا العبد الصالح ( الخضر ) كما سماه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . والدليل على ذلك أن النبي يأتي بأحكام تُحرّم القتل وتحرم إتلاف مال الغير ، فأتى الخضر وأتلف السفينة وقتل الغلام ، وقد اعترض موسى عليه السلام على هذه الأعمال ؛ لأنه لا عِلْم َله بعلتها ، ولو أن موسى عليه السلام علم العلّة في خَرْق السفينة لبادر هو إلى خرقها .
تفسير الشعراوي — صفحة 8954 | محمد متولي الشعراوي