تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8868

مساهمون:

ص٨٨٦٨
هكذا { رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ } دون أن يذكر عنه شيئاً ، فالمهم أن الرجولة في الإيمان ، أيّاً كان هذا المؤمن في أيّ زمان ، وفي أيّ مكان ، وبأيّ اسم ، وبأيّ صفة . كذلك في قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأة نُوحٍ وامرأة لُوطٍ . . } [ التحريم : 10 ] ولم يذكر عنهما شيئاً ، ولم يُشخِّصهما ؛ لأن التشخيص هنا لا يفيد ، فالمهم والمراد من الآية بيانُ أن الهداية بيد الله وحده ، وأن النبي المرسَل من الله لم يستطع هداية زوجته وأقرب الناس إليه ، وأن للمرأة حريةً عَقَيدة مُطْلقة . وكذلك في قوله : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ . . } [ التحريم : 11 ] ولم يذكر لنا مَنْ هي ، ولم يُشخِّصها ؛ لأن تعيُّنها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر ، المهم أن نعلم أن فرعونَ الذي ادَّعى الألوهية وبكل جبروته وسلطانه لم يستطع أنْ يحمل امرأته على الإيمان به . إذن : العقيدة والإيمان أمر شخصيّ قلبي ، لا يُجبر عليه الإنسان ، وها هي امرأة فرعون تؤمن بالله وتقول : { رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين } [ التحريم : 11 ] أما في قصة مريم ، فيقول تعالى : { وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ . . } [ التحريم : 12 ] فشخَّصها باسمها ، بل واسم أبيها ، لماذا ؟ قالوا : لأن الحدث الذي ستتعرَّض له حَدَثٌ فريد وشئ خاصٌّ بها لن يتكرر في غيرها ؛ لذلك عيَّنها الله وعرَّفها ، أما الأمر العام الذي يتكرر ، فمن الحكمة أنْ يظلَّ مُبْهماً غير مرتبط بشخص أو زمان أو مكان ، كما في قصة أهل الكهف ، فقد أبهمها الحق سبحانه لتكون مثالاً وقُدْوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان .
تفسير الشعراوي — صفحة 8868 | محمد متولي الشعراوي