تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8863

مساهمون:

ص٨٨٦٣
القولين : ففي طعام العُزَير الذي ظلَّ على حاله طازجاً لم يتغير دليل على يوم أو بعض يوم ، وفي حماره الذي رآه عظاماً بالية دليل على المائة عام ، فسبحان الذي يجمع الشيء وضده في آن واحد . ثم يقول تعالى حكاية عنهم : { قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ . . } [ الكهف : 19 ] وهو قَوْل الجماعة الذين أرادوا إنهاء الخلاف في هذه المسألة ، فقالوا لإخوانهم : دعونا من هذه القضية التي لا تفيد ، واتركوا أمرها لله تعالى . ودائماً يأمرنا الحق سبحانه بأنْ ننقلَ الجدل من شيء لا ننتهي فيه إلى شيء ، ونُحوله للأمر المثمر النافع ؛ لذلك قالوا : { فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً } [ الكهف : 19 ] والوَرِق يعني العملة من الفضة ، فأرادوا أنْ يرسلوا أحدهم بما معهم من النقود ليشتري لهم من المدينة طعاماً ؛ لأنهم بمجرد أن استيقظوا انتهت حالتهم الاستثنائية ، وعادوا إلى طبيعتهم ؛ لذلك طلبوا الطعام ، لكن نلحظ هنا أن الجوع لم يحملهم على طلب مطلق الطعام ، بل تراهم حريصين على تزكية طعامهم واختيار أَطيبه وأَطْهره ، وأبعده عن الحرام . وكذلك لم يَفُتْهم أنْ يكونوا على حذر من قومهم ، فَمْن سيذهب منهم إلى هذه المهمة عليه أن يدخل المدينة خِلْسة ، وأن يتلطف في الأمر حتى لا يشعر به أحد من القوم ، ذلك لأنهم استيقظوا على الحالة التي ناموا عليها ، وما زالوا على حَذَر من قومهم يظنون أنهم يتتبعونهم ويبحثون عنهم ، ويسعَوْن للقضاء عليهم .
تفسير الشعراوي — صفحة 8863 | محمد متولي الشعراوي