تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8794

مساهمون:

ص٨٧٩٤
لقد أحضر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الرجل وقال له : « إما أن تهبَ له هذه النخلة ، وإما أنْ تبيعها له ، وإما قطعناها » . أليس ذلك من الحق الذي سبق به الإسلام ؟ وأليس دليلاً على استيعاب شرع الله لكل كبيرة وصغيرة في حياة الناس ؟ أَضِفْ إلى ذلك ما قاله بعض العلماء من أهل الإشراقات في معنى : { وبالحق نَزَلَ } أي : وعلى الحق الذي هو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نزل القرآن كما تقول : ذهبت إلى القاهرة ونزلت بفلان . أي : نزلت عنده أو عليه . ثم يقول تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً } [ الإسراء : 105 ] والبشارة تكون بالخير ، والنذارة تكون بالشر ، ويُشترط في التبشير والإنذار أن تُعطَى للمبشَّر أو للمُنْذَر فرصة يراجع فيها نفسه ، ويُعدّل من سلوكه ، وإلا فلا فائدة ، ولا جدوى منهما ، فتُبشّر بالجنة وتُنذَر بالنار في مُتَّسَع من الوقت ليتمكن هذا من العمل للجنة ، ويتمكن هذا من الإقلاع عن سبيل النار . ومثال ذلك : أنك تُبشِّر ولدك بالنجاح والمستقبل الباهر إن اجتهد ، وتحذره من الفشل إن أهمل ، وهذا بالطبع لا يكون ليلة الامتحان ، بل في مُتَّسَع أمامه من الوقت لينفذ ما تريد . والحق سبحانه وتعالى هنا يخبر رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحقيقة مهمته كرسول عليه البلاغ بالبشارة والنذارة ، فلا يُحمِّل نفسه فوق طاقتها ؛ لأنه ليس مُلْزَماً بإيمان القوم ، كما قال تعالى : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } [ الكهف : 6 ]