فأنزله الله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، كما قال تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ]
وهذا هو المراد من قوله { أَنزَلْنَاهُ } ثم نُنزِّله مُنَجَّماً حَسْب الأحداث في ثلاث وعشرين سنة مُدَّة الدعوة كلها ، فكلما حدث شيء نزل القسط أو النجم الذي يعالج هذه الحالة .
و { أَنْزَلْنَاهُ .
. } [ الإسراء : 105 ] أي : نحن ، فالمراد الحق سبحانه وتعالى هو الذي حفظه في اللوح المحفوظ ، وهو الذي أنزله ، وأنزله على الأمين من الملائكة الذي اصطفاه لهذه المهمة .
{ نَزَلَ بِهِ الروح الأمين } [ الشعراء : 193 ] أي : جبريل عليه السلام الذي كرَّمه الله وجعله روحاً ، كما جعل القرآن روحاً في قوله : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا . . } [ الشورى : 52 ]
وقال عنه أيضاً : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [ التكوير : 19 ]
والكريم لا يكتم شيئاً مِمّا أُوحى إليه : { ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } [ التكوير : 20 - 21 ]
هذه صفات جبريل الذي نزل بالوحي من الحق سبحانه ، ثم أوصله لمن ؟ أوصله للمصطفى الأمين من البشر : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } [ التكوير : 22 - 25 ]
إذن : فالقرآن الذي بين أيدينا هو هو الذي نزل من اللوح المحفوظ ، وهو الحق الثابت الذي لا شَكَّ فيه ، والذي لم يتغيّر منه حرفٌ واحدٌ ، ولن يجد فيه أحد ثُغْرة للاتهام إلى أنْ تقومَ الساعة .
تفسير الشعراوي — صفحة 8791
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٩١