إذن : نزل القرآن بما هو حَقٌّ من : إلهيات وملائكة ونبوّات ومعجزات وأحكام وشرائع ، كلها حَقٌّ ثابت لا شَكَّ فيه ، فنزل الحق الثابت من الله بواسطة مَنِ اصطفاه من الملائكة وهو جبريل على مَنِ اصطفاه من الناس وهو محمد ، وفي طي ما نزل الحق الثابت الذي لا يتغير .
وصدق الحق سبحانه حين قال : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ]
ونسوق هنا دليلاً عصرياً على أن كتاب الله جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير على مَرِّ العصور ، ففي ألمانيا استحدث أحد رجال القانون قانوناً للتعسف في استعمال الحق ، وظنّوا أنهم جاءوا بجديد ، واكتشفوا سلاحاً جديداً للقانون ليعاقب مَنْ له حَقّ ويتعسّف في استعمال حقه .
ثم سافر إلى هناك محام من بني سويف للدراسة ، فقرأ عن القانون الجديد الذي ادعَوْا السبق إليه ، فأخبرهم أن هذا القانون الذي تدَّعُونه لأنفسكم قانون إسلامي ثابت وموجود في سُنّة رسول الله ، فعمدوا إلى كتب السيرة ، فوجدوا قصة الرجل الذي شكا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن رجلاً له نخلة يمتلكها داخل بيته ، أو أنها تميل في بيته ، فأخذها ذريعة وجعل منها مسمار جحا ، وأخذ يقتحم على صاحب البيت بيته بحجة أنه يباشر نخلته ، فماذا كان حكم الرسول في هذه المسألة ؟
هذا الرجل له حَقٌّ في النخلة ، فهي مِلْكٌ له لكنه تعسَّف في استعمال حقه ، وأتى بما لا يليق من المعاملة ، فالمفروض ألاَّ يذهب إلى نخلته إلا لحاجة ، مثل : تقليمها ، أو تلقيحها ، أو جمع ثمارها .
تفسير الشعراوي — صفحة 8793
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٩٣