تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8790

مساهمون:

ص٨٧٩٠
الماء ، ولا ينتفع الناس به ، وسرعان ما تُلقِى به الريح هنا وهناك لتجلوَ صفحة الماء الناصعة المفيدة ، أما الزَّبَد فيذهب جُفَاءً دون فائدة ، ويمكث في الأرض الماء الصافي الذي ينتفع الناس به في الزراعة ونحوها . وهكذا الباطل مُتغيِّر مُتقلِّب لا ينتفع به ، والحق ثابت لا يتغير لأنه مَظْهرية من مَظْهريات الحق الأعلى سبحانه ، وهو سبحانه الحق الأعلى الذي لا تتناوله الأغيار . وقوله : { أَنْزَلْنَاهُ . . } [ الإسراء : 105 ] ونلاحظ هنا أن ضمير الغائب في { أَنْزَلْنَاهُ } لم يتقدَّم عليه شيء يُوضِّح الضمير ويعود إليه ، صحيح أن الضمير أعْرفُ المعارف ، لكن لا بُدَّ له من مرجع يرجع إليه . وهنا لم يُسبق الضمير بشيء ، كما سُبق بمرجع في قوله تعالى : { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ . . } [ الإسراء : 88 ] فهنا يعود الضمير في { بِمِثْلِهِ } إلى القرآن الذي سبق ذكره . نقول : إذا لم يسبق ضمير الغائب بشيء يرجع إليه ، فلا بُدَّ أن يكون مرجعه مُتعيّناً لا يختلف فيه اثنانِ ، كما في قوله تعالى : { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] فهو ضمير للغائب لم يسبق بمرجع له ؛ لأنه لا يرجع إلا إلى الله تعالى ، وهذا أمر لا يُختَلفُ عليه . كذلك في قوله تعالى : { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ . . } [ الإسراء : 105 ] أي : القرآن ؛ لأنه شيء ثابت مُتعيّن لا يُختَلف عليه . وجاء الفعل أنزل للتعدية ، فكأن الحق سبحانه كان كلامه وهو القرآن محفوظاً في اللوح المحفوظ ، إلى أنْ يأتيَ زمان مباشرة القرآن لمهمته ،