فأين ذهب عداوتُه وبُغْضه للأطفال ؟ ولماذا أحبَّ هذا الطفلَ بالذات ؟ ألم يكُنْ من البديهي أنْ يطرأ على ذِهْن فرعون أن هذا الطفل ألقاه أهله في اليَمِّ لينجو من القتل ؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة البديهية على ذِهْنه ؟ اللهم إلا قوله تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ . . } [ الأنفال : 24 ]
لقد طمس الله على قلب فرعون حتى لا يفعل شيئاً من هذا ، وحال بينه وبين قلبه لِيُبيِّن للناس جهل هذا الطاغية ومدى حُمْقه ، وأن وراء العناية والتربية للأهل والأسرة عنايةُ المربّي الأعلى سبحانه .
لذلك قال الشاعر :
إذَا لَمْ تُصَادِفْ مِنْ بَنيكَ عِنَايةً . . . فَقدْ كذبَ الرَّاجِي وَخَابَ المؤملُ
فمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْريلُ كافِرٌ . . . وَمُوسَى الذِي رَبَّاه فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ
ثم يقول الحق سبحانه : { فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض . . } .
{ فَأَرَادَ } أي : فرعون . { أَن يَسْتَفِزَّهُم } كلمة « استفزَّ » سبق الكلام عنها في قوله تعالى : { واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ . . } [ الإسراء : 64 ] فالاستفزاز هو الإزعاج بالصوت العالي ، يقوم المنَادَى ويخفّ من مكانه ، وهذا الصوت أو هذه الصَّيْحة يُخرجها الفارس أو اللاعب كما نرى في لعبة الكراتيه مثلاً لِيُزعِج الخصم ويُخيفه ، وأيضاً فإن هذه الصيحة تشغَل الخَصْم ، وتأخذ
تفسير الشعراوي — صفحة 8785
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٨٥