تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8714

مساهمون:

ص٨٧١٤
ثم يقول الحق سبحانه : { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً } . الله تعالى يريد أن يعطي الإنسان صورة عن نفسه ؛ لتكون عنده المناعة الكافية إذا ما أصابه المرض ، كما يعطي الطبيب جَرْعة الطُّعْم أو التحصين الذي يمنع حدوث مرض ما . فهاهي طبيعة الإنسان وسِمَتُه الغالية ، وعليه أنْ يُخفِّف من هذه الطبيعة ، والمراد أن الإنسان إذا أنعم الله عليه استغنى وأعرضَ . ولكي نُوَضِّح هذه المسألة نُمثِّل لها ولله المثل الأعلى الوالد الذي يعطي للابن مصروفه كل شهر مثلاً ، فترى الولد لا يلتفت إلى أبيه إلا أول كل شهر ، حيث يأتي موعد ما تعوَّد عليه من مصروف ، وتراه طوال الشهر منصرفاً عن أبيه لا يكاد يتذكره ، أما إذا عوَّده على أنْ يُعطيه مصروفه كل يوم ، فترى الولد في الصباح يتعرَّض لأبيه ويُظهِر نفسه أمامه ليُذكِّره بالمعلوم . فالولد حين أعرض عن أبيه وانصرف عنه ، ما الذي دعاه إلى هذا التصرف ؟ لأن الوالد أعطاه طاقة الاستغناء عنه طوال الشهر ، فإنْ كان الابن بارّاً مؤمناً فإنه لا ينسى فَضْل والده الذي وَفَّر له طاقة الاستغناء هذه ، فيُذكِر والده بالخير ، ويحمل له هذا الجميل . فإنْ كان هذا هو الحال مع الرب الأدنى فهو كذلك مع الربِّ الأعلى سبحانه ، فيقول تعالى : { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ . . } [ الإسراء : 83 ]