نرى الكثير منا يغضب وتُثَار حفيظته إنْ كان له عدو ، ويراه مصدر شرٍّ وأذى ، ويتوقع منه المكروه باستمرار .
وهو مع ذلك لو استغل حكمة الله في إيجاد هذا العدو لا تنفع به انتفاعاً لا يجده في الصديق ، لأن صديقك قد يُنافقك أو يُداهنك أو يخدعك .
أما عدوك فهو لك بالمرصاد ، يتتبع سقطاتك ، ويبحث عن عيوبك ، وينتظر منك كَبْوة ليذيعها ويُسمّع بك ، فيحملك هذا من عدوك على الاستقامة والبعد عما يشين .
ومن ناحية أخرى تخاف أن يسبقك إلى الخير ، فتجتهد أنت في الخير حتى لا يسبقك إليه .
وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى :
عِدَايَ لَهُمْ فَضْلٌ عليَّ ومِنَّةٌ . . . فَلاَ أبعَدَ الرحْمَنُ عَنّي الأعَادِياَ
هُمُو بحثُوا عَنْ زَلّتي فَاجْتنبْتُها . . . وهُمْ نَافَسُوني فاكْتَسبْتُ المعَالِيا
وهكذا نجد لكل شيء في منهج الله فائدة ، حتى في الأعداء ، ونجد في هذا التنافس المثمر الذي يُثري حركة الحياة دليلاً على أن منهج السماء هو الأقوم والأنسب لتنظيم حركة الحياة .
أيضاً لكي يعيش المجتمع آمناً سالماً لا بُدّ له من قانون يحفظ توازنه ، قانون يحمي الضعيف من بطش القوي ، فجاء منهج الله تعالى لِيُقنّن لكل جريمة عقوبتها ، ويضمن لصاحب الحق حَقّه ، وبعد ذلك ترك الباب مفتوحاً للعفو والتسامح بين الناس .
تفسير الشعراوي — صفحة 8386
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٣٨٦