تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8685

مساهمون:

ص٨٦٨٥
أما مَنْ أوتي كتابه بشماله فقد كان أعمى في الدنيا عمى بصيرة لا عمى بصر ؛ لأن عمى البصر حجب الأداة الباصرة عن إدراك المرائي ، والكافرون في الدنيا كانوا مُبصرين للمرائي من حولهم . مُدركين لماديات الحياة ، أما بصيرتهم فقد طُمِس عليها فلا ترى خيراً ، ولا تهتدي إلى صلاح . وسبق أن قلنا : إن الإنسان لكي يسير في رحلة الحياة على هدى لا بُدَّ له من بصر يرى به المرائي المادية ، حتى لا يصطدم بأقوى منه فيتحطم أو بأضعف منه فيحطمه ، والبصر للمؤمن والكافر من عطاء الربوبية للإنسان . لكن إلى جانب البصر هناك عطاء آخر هو ثمرة من ثمار عطاء الألوهية الذي لا يكون إلا للمؤمن ، ألا وهو البصيرة ، بصيرة القيم التي يكتسبها الإنسان من منهج الله الذي آمن به وسار على هَدْيه . وقوله : { فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلا } [ الإسراء : 72 ] إنْ كان عماه في الدنيا عمى بصيرة ، فَعَماه في الآخرة عمى بصر ؛ لأن البصيرة مطلوبة منه في الدنيا فقط ؛ لأن بها سيُعرف الخير من الشر ، وعليها يترتب العمل ، وليست الآخرة مجال عمل ، إذن : العمى في الآخرة عمى البصر ، كما قال تعالى في آية أخرى : { فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى } [ طه : 123 - 124 ] وقال عنهم في آية أخرى : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا . . } [ الإسراء : 97 ]