عن الآخر ؛ لأن كلاً منهم سيتصوره بصورة خاصة حَسْب تصوره للشيطان وجهة البشاعة فيه .
فلو أن الحق سبحانه شبَّه طَلْع شجرة الزقوم بشيء معلوم لنا لَتصوّرناه على وجه واحد ، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أنْ يُشيعَ بشاعته ، وأنْ تذهب النفس في تصوُّره بشاعته كل مذهب ، وهكذا يؤدي هذا التشبيه في الآية مَا لا يُؤديّه غيره ، ويُحدث من الأثر المطلوب ما لا يُحدِثه تعبير آخر ، فهو إبهام يكشف ويجليِّ .
ثم يقول تعالى : { وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً } [ الإسراء : 60 ]
أي : نُخوّفهم بأنْ يتعرّضوا للعقوبات التي تعرّض لها المكذِّبون للرسل ، فالرسل نهايتهم النصر ، والكافرون بهم نهايتهم الخُذْلان . وأنت حينما تُخوّف إنساناً أو تُحذره من شر سيقع له ، فقد أحسنتَ إليه وأسديتَ إليه جميلاً ومعروفاً ، كالولد الذي يُخوِّف ابنه عاقبة الإهمال ، ويُذكّره بالفشل واحتقار الناس له ، إنه بذلك ينصحه ليلتفت إلى دروسه ويجتهد .
فقوله تعالى : { وَنُخَوِّفُهُمْ . . } [ الإسراء : 60 ] التخويف هنا نعمة من الله عليهم ، لأنه يُبشّع لهم الأمر حتى لا يقعوا فيه ، وسبق أن ذكرنا أن التخويف قد يكون نعمة في قوله تعالى ، في سورة الرحمن :
{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } [ الرحمن : 35 - 36 ]
فجعل النار والشُّوَاظ هنا نعمة ؛ لأنها إعلام بشيء سيحدث في المستقبل ، وسيكون عاقبة عمل يجب أن يحذروه الآن .
تفسير الشعراوي — صفحة 8655
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٥٥