وللردِّ على قَوْل المستشرقين السابق نقول لهم : لقد تعلمتم العربية صناعة ، وليس عندكم الملَكَة العربية أو التذوّق الكافي لفهم كتاب الله وتفسير أساليبه ، وفَرْقٌ بين اللغة كملَكَة واللغة كصناعة فقط .
الملَكة اللغوية تفاعل واختمار للغة في الوجدان ، فساعة أنْ يسمعَ التعبير العربي يفهم المقصود منه ، أما اللغة المكتسبة خاصة على كِبَر فهي مجرد دراسة لإمكان التخاطب ، فلو أن عندكم هذه الملكة لما حدث منكم هذا الاعتراض ، ولعلمتم أن العربي قبل نزول القرآن قال :
يَغُطُّ غَطِيطَ البكْر شُدّ خِنَاقُه . . . لِيقتُلَنِي والمرْءُ ليسَ بقتَّالِ
أَيقتُلِني وَالمشْرفيُّ مُضَاجِعِي . . . وَمسْنُونَةٍ زُرْقٍ كأنْيَابِ أَغْوَالِ
فهل رأيتم الغول ؟ وهل له وجود أصلاً ؟ لكن الشاعر العربي استساغ أن يُشبّه سلاحه المسنون بأنياب الغول ؛ لأن الغول يتصوَّره الناس في صورة بشعة مخيفة ، فهذا التصوّر والتخيُّل للغول أجاز أنْ نُشبّه به .
وكذلك الشيطان ، وإنْ لم يَرَهُ أحد أن الناس تتخيله في صورة بشعة وقبيحة ومخيفة ، فلو كلّفنا جميع رسّامي الكاريكاتير في العالم برسم صورة مُتخيّلة للشيطان لرسم كل واحد منهم صورة تختلف
تفسير الشعراوي — صفحة 8654
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٥٤