اختلتْ له ملكة من الملكات ضَعُفَ طغيانه ، وحاول أن يستكمل هذا النقص ، وحينئذ لن يخدع نفسه بأن يطلب الاستكمال مِمَّن لا يملكه ، بل يطلبه ممَّنْ يعتقد أنه يملكه .
لذلك يقول تعالى : { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ . . } [ الإسراء : 67 ]
وقال : { وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ . . } [ الزمر : 8 ]
لماذا ؟ لأن ما أصابه من ضُرٍّ أضعفه ، وكسر عنده غريزة الاستعلاء والاستكبار ، لقد كفر بالله من قبل حينما حمله التكاليف ، ولكن الآن وبعد أن نزل به الضُّر وأحاط به البلاء فلا بُدَّ أن يكون صريحاً مع نفسه لا يخدعها .
وضربنا لهذه المسألة مثلاً بحلاق الصحة عند أهل الريف في الماضي وكان مسئولاً عن صِحَّة الناس ، ويقوم مقام الطبيب في هذا الوقت ، فإذا ما عُيِّن بالقرية طبيب هاجمه الحلاق وأفسد ما بينه وبين الناس ، وأشاع عنه عدم العلم وقِلَّة الخبرة ليخلوَ له وجه الناس ، ولا يشاركه أحد في رزقه ، ومرَّت الأيام وأصيب الحلاق بضُرٍّ ، حيث مرض ولد له ، فإذا به يحمله خُفْيةً بليْل ، ويتسلل به إلى الطبيب ، ولكن سرعان ما ينكشف أمره ويُفتضح بين الناس .
إذن : الإنسان في ساعة الضر لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها ، فقل لهم : إذا مسكم الضر فاذهبوا إلى مَن ادعيتم أنهم آلهة وأدعوهم ، فإنهم لن يستجيبوا ولن يدعوهم ، ولو دَعَوْهم فلن يكشفوا عنهم ضرهم : { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ . . } [ الإسراء : 56 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8622
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٢٢