فلماذا يعرضها القرآن ، هل لنأخذ بها ونتعلمها ؟ لا بل لكي لا نُفَاجأ بها ، فإذا أَتَتْ يكون لدينا المناعة الكافية ضِدّها ، ولكي تتربّى فينا الحصانة المانعة من الانزلاق أو الانحراف .
إذن : فأصول الحياة فاعل وقابل ، وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا : في الشتاء ينفخ الإنسان في يده ليدفئها ، وكذلك ينفخ في كوب الشاي ليبرده ، فالفعل واحد ولكن القابل مختلف . وكذلك حال الناس في سماع القرآن واستقبال كلمات الله ، فقد استقبله أحد الكفار في حال هدوء وانسجام ، فقال :
« والله إنَّ له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغْدق ، وإن أعلاه لمثمر ، وإنه يعلو ولا يُعْلَى عليه » لقد استمعه بملكَة العربي الشَّغُوف بكل ما هو جميل من القَوْل ، لا بملَكِة العناد والكِبْر والغطرسة .
وكذلك سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه له حالان في سماع القرآن : حال كفر وشدة وغلظة عند سماع القرآن ، وحال إيمان ورقَّة قلب حينما بلغه نبأ إسلام أخته ، فأسرع إليها وهي تقرأ القرآن فصفَعها بقسْوة حتى أَدْمَى وجهها ، فأخذتْه عاطفة الرحم ، وتغلبت على عاطفة الكفر عنده ، فلما سمع القرآنَ بهذه العاطفة الحانية تأثَّر به ، فآمن مِنْ فَوْره ؛ لأن القرآن صادف منه قَلْباً صافياً ، فلا بد أَنْ يُؤثِّر فيه .
تفسير الشعراوي — صفحة 8591
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٩١