تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8570

مساهمون:

ص٨٥٧٠
فالمسألة لم تُفاجئ رسول الله ؛ لأنه عرفها حتى قبل أن يُبعث ، فحينما جاءه جبريل للمرة الأولى في الغار ، وعاد إلى السيدة خديجة فَزِعاً ذهبتْ به إلى ابن عمها ورقة بن نوف ، فطمأنه بأن هذا هو الناموس الإلهي ، وأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سيكون مبعوث السماء إلى الأرض ، وأنه نبيُّ هذه الأمة ، وقال فيما قال : ليتني أكون حياً حين يُخرِجك قومك ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « أَمُخرجيّ هم ؟ » . قال : نعم ، لم يأتي رجل بمثل ما جئتَ به إلا عودِي ، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً . إذن : فالحق سبحانه وتعالى حَصَّن رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ضد ما سيأتي من أحداث ؛ لكي يكون على توقُّع لها ، ولا تحدث له المفاجأة التي ربما ولدتْ الانهيار ، وأعطاه الطُّعْم المناسب للداء قبل حدوثه ؛ لتكون لديه المناعة الكافية عند وقوع الأحداث ، واليقين الثابت في نصر الله له مهما ادْلهَمتْ الخطوب ، وضاق الخناق عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى أصحابه . والحديث عن الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وما داموا كذلك فليس لهم إلا الدنيا ، هي فرصتهم الوحيدة ، لذلك يحرصون على استنفاد كل شهواتهم فيها ، ولا يؤخرون منها شيئاً ، فإنْ أجَّل المؤمن بعض مُتَعِه وشهواته انتظاراً لما في الآخرة فإلامَ يؤجل الكفار مُتعهم ؟ إذن : الذي يجعل هؤلاء يتهافتون على شهواتهم في الدنيا أنهم غير مؤمنين بالآخرة .