تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8568

مساهمون:

ص٨٥٦٨
الإنسان أيضاً مقهوراً كباقي المخلوقات ؟ لقد جعل الله تعالى في الإنسان الاختيار لحكمة عالية ، فالقهر يُثبتُ للحق سبحانه صفة القدرة على مخلوقه ، فإذا قهره على شيء لا يشذ ولا يتخَلف ، ولكنه لا يثبت صفة المحبوبية لله تعالى . أما الاختيار فيثبت المحبوبية لله ؛ لأنه خلقك مختاراً تؤمن أو تكفر ، ومع ذلك اخترْتَ الإيمان حُباً في الله تعالى ، وطاعة وخضوعاً ، فأثبتَّ بذلك صفة المحبوبية . وإياك أن تظن أن مَنْ يَعْصي الله يعصيه قهراً عن الله ، بل بما ركَّب فيه من الاختيار ، وقد يقول قائل : وما ذنب الإنسان أن يكون مختاراً من بين جميع المخلوقات ؟ لو حققتَ هذه القضية منطقياً وفلسفياً لوجدتَ الكون كله كان مختاراً ، وليس الإنسان فقط ، لكن اختارت جميع المخلوقات أنْ تُسلِّم الأمر لله ، وفضَّلتْ أن تكون مقهورة مسخرة من البداية ، أما الإنسان ففضَّل الاختيار ، وقال : سأعمل بحرص ، وسأحمل الأمانة بإخلاص ، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] وفي رَفْض هذه المخلوقات لتحمُّل الأمانة والاختيار دليل على العلم الواسع ؛ لأنه يوجد فَرْق كبير بين قبول الأمانة وقت التحمُّل ووقت الأداء . فقد تتحمل الأمانة وأنت واثق من أدائها ، لكن يطرأ عليك وقت الأداء مَا يحول بينك وبين أداء الأمانة .