تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8567

مساهمون:

ص٨٥٦٧
يجب على العلماء أنْ ينقلوها من خاطر الدلالة إلى خاطر المقالة أيضاً ، ولكنها مقالة ، ولكنها مقالة بلغة يفهمها أصحابها إذا شاء الله لهم ذلك . ثم يُذيّل الحق سبحانه هذه الآية بقوله : { إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً . . } [ الإسراء : 44 ] لأن الإنسانَ كثيراً ما يغفل الاستدلال بظواهر الكون وآياته دلالة الحال ، فيقف على قدرة الله وبديع صُنْعه ، وكذلك كثيراً ما يغفل عن تسبيح الله تسبيح المقالة ؛ لذلك أخبر سبحانه أنه حليمٌ لا يعاجل الغافلين بالعقوبة ، وغفور لمن تاب وأناب . وهذا من رحمته سبحانه بعباده ، فلولا أنْ يتداركَ الله العباد بهذه الرحمة لكان الإنسان سيد الكون أقلّ حظاً من الحيوان ، ويكفي أن تتدبر قوله تعالى عن تسبيح المخلوقات له سبحانه : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب . . } [ الحج : 18 ] فها هي جميع الأجناس من جماد ونبات وحيوان تسجد لله لا يتخلف منها شيء ، فهي تسجد وتُسبّح بالإجماع ، ولم ينقسم الأمر إلا في الإنسان السيّد المكرّم ، ولكن لماذا الإنسان بالذات هو الذي يشذُّ عن منظومة التسبيح في الكون ؟ نقول : لأنه المخلوق الوحيد الذي مَيَّزَهُ الله بالاختيار ، وجعل له الحرية في أنْ يفعل أو لا يفعل ، أما باقي المخلوقات فهي مُسخّرة مقهورة ، فإن قال قائل : لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى