والأمانة كما هو معروف لا تُوثَّق ولا تُكتب ، وكثيراً ما يقع فيها التلاعب ؛ لأنها لا تثبتُ إلا بذمّة الآخذ الذي قد يضعف عن الأداء وتُلجِئه الأحداث إلى هذا التلاعب أو الإنكار ، والأحداث قد تكون أقوى من الرجال .
فالإنسان إذن لا يضمن نفسه وقت الأداء ، وإنْ كان يضمنها وقت التحمُّل ، ولهذا اختارت جميع المخلوقات أن تكون مقهورة مُسيَّرة ، أما الإنسان فقال : لي عقل وأستطيع التصرُّف والترجيح بين البدائل ، فكان بذلك ظالماً لنفسه ؛ لأنه لا يضمنها وقت الأداء ، وجهولاً بما يكون من تغيُّر أحواله .
فالكون إذن ليس مقهوراً رَغْماً عنه ، بل بإرادته واختياره ، وكذلك الإنسان ليس مختاراً رَغْماً عنه ، بل بإرادته واختياره .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً } .
الحق سبحانه وتعالى يعدل الأشياء تنفيذاً لأشياء أخرى ، ويصنع أحداثاً أوّلية لتكون بمثابة المقدمة والتمهيد لأحداث أخرى أهم منها . وكفار مكة ما ادَّخروا وُسْعاً ، وما تركوا وسيلة من وسائل الإيذاء لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتنكيل به إلا فعلوها .
ومع ذلك لم يُفَاجأ بها رسول الله ، ولم تُثبِّط من عزيمته ، لماذا ؟ لأنه كان مُتوقِّعاً لكل هذا الإيذاء ، ولديه من سوابق الأحداث ما يعطيه الحصانة الكافية لمقابلة كل الشدائد .
تفسير الشعراوي — صفحة 8569
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٦٩