وكلمة { مَّسْتُوراً } اسم مفعول من الستر ، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى ( ساتراً ) ، وهذا من قبيل المبالغة في الستر والإخفاء ، فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم من سماعك أو رؤيتك هو نفسه مستور ، فإن كان الحجاب نفسه مستوراً ، فما بالُكَ بما خلفه ؟
ولاشكَّ أن الذِّهْن سينشغل هنا بالحجاب المادي ، لكن هذا الحجاب الذي يتحدث عنه الحق سبحانه حجاب معنويّ ولا يراه أحد ، كما في قوله تعالى : { رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } [ الرعد : 2 ]
فلو قال : بغير عَمَد وسكت فقد نفى وجود عمد للسماء وانتهت المسألة ، وأدخلناها تحت قوله تعالى : { إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ } [ فاطر : 41 ] فالأمر قائم على قدرة الله دون وجود عَمَدٍ تحمل السماء .
لكن قوله سبحانه : { تَرَوْنَهَا } تجعل المعنى صالحاً لأنْ نقول بغير عَمَد ، وأنتم ترونها كذلك ، فننظر هنا وهناك فلا نجد للسماء عمداً تحملها ، أو نقول : إن لها عمداً لكِنَّا لا نراها ، فهي عَمَد معنوية ، فلا ينصرف ذهنك إلى ما نقيمه نحن من عَمد المسلح أو الرخام أو الحديد .
وفي هذا ما يدُكُّ الغرور في الإنسان ، ليعلم أنه لا يدرك إلا ما أذن الله له في إدراكه ، وأن حواسَّ الإدراك لديه قد تتوقف عن هذا الإدراك ، فليس معنى أنها مدركة أن تظل مدركة دائماً ، فليس لها طلاقة لتفعل ما تشاء ، بل الحق سبحانه وتعالى يعطيها هذه القدرة ، أو يسلبها إياها .
تفسير الشعراوي — صفحة 8573
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٧٣