وصدق الحق تبارك وتعالى حين قال : { وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض . . } [ المؤمنون : 71 ]
إذن : فما المخرج من هذا الاختلاف والتبايُن ؟ المخرَج أن يخرج كل واحد مِنَّا من هوى نفسه أولاً ، ثم نرد القضية التي اختلفتْ فيها أهواؤنا إلى مَنْ لا هوى له .
وربُّكَ سبحانه وتعالى هو وحده الذي لا هَوى له ، ونحن جميعاً خَلْقه ، وكلنا عنده سواء ، ليس منا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة ، فشرع الله واحد للجميع ، ولا غضاضة فالكل خاضع لهذا الشرع مُتّبِع له ؛ لأنه شَرْع الخالق سبحانه لا شَرْع أحد من الناس .
لذلك اشتهر قولهم : « اللي الشرع يقطع صباعه مَيْخُرش دم » .
فأنا لم أخضع لك ، وأنت لم تخضع لي ، بل الجميع خاضع لله تعالى مُنصَاع لأمره . إذن : اتركوا قضايا الأهواء لله تعالى يُشرّعها لكم لكي ترتاحوا من تسلُّط بعضكم على بعض .
أما القضايا التي تتفق فيها الأهواء فهي القضايا المادية القائمة على المادة الصمَّاء التي لا تُجامِل أحداً على حساب أحد ، ولا مانعَ أن تتبعوا الآخرين فيها ؛ لأنكم سوف تلتقون عليها قَهْراً ورَغْماً عنكم ، فالمعمل الذي تدخله لتجري التجارب التي توصلك لقضية ما مادية أو كيماوية معمل محايد لا يجامل أحداً .
وقد سبق أن قلنا : إن الكهرباء أو الكيمياء ليس فيها روسي وأمريكي ؛ لأن هذه أشياء مادية لا خلافَ عليها ، أما الذي جعل المعسكر الشرقي يختلف والمعسكر الغربي هي القضايا الأهوائية ، فهذا شيوعي ، وهذا رأسمالي .
تفسير الشعراوي — صفحة 8535
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٣٥