وقال تعالى : { وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب . . } [ البقرة : 179 ]
وهذا نداء لأصحاب الأفهام والعقول الواعية ، ليس القصاص كما يظنُّ البعض ، بل فيه الحياة وفيه سلامة المجتمع وحَقْن الدماء .
ويجب أن يكون عندنا يقظةُ استقبال لأحكام الله ؛ لأن القاتل ما قتل إلا حينما غفل عن الحكم ، ويجب أيضاً أن ننظر إلى حكم القصاص نظرة موضوعية ، لأنه كما حَمى غيري من قَتْلِي له حماني أيضاً من قَتْل غيري لي ، وما دامت المسألة : لك مثل ما عليك ، وحظك منها كحظِّ الناس جميعاً ، فلماذا الاعتراض ؟
وكذلك في السرقة ، حينما يقول لك : لا تسرق ، فأنت ترى أن هذا الأمر قد قيَّد حريتك أنت ، لكن الحقيقة أنه أيضاً قيَّد حرية الآخرين بالنسبة للسرقة منك .
والذي يتأمل هذه الحدود يجدها في صالح الفرد ؛ لأنها تُقيِّد حريته وهو فرد واحد ، وتُقيِّد من أجله حرية المجتمع كله .
وفي الزكاة ، حينما يُوجِب عليك الشارع الحكيم أنْ تُخرِج قَدْراً معلوماً من مالك للفقراء ، فلا تَقُلْ : هذا مالي جمعتُه بجَهْدي وعَرقي . ونقول لك : نعم هو مالك ، ولكن لا تنسَ أن الأيام دُوَلٌ وأغيار ، والغنيّ اليوم قد يفتقر غداً ، فحين تعضّك الأيام فسوف تجد مَنْ يعطيك ، ويَكيل لك بنفس الكَيْل الذي كِلْتَ به للناس .
إذن : يجب أن نكون على وَعْي في استقبال الأحكام عن الله تعالى ، وأن ننظر إليها نظرة شمولية ، فنرى ما لنا فيها وما علينا ،
تفسير الشعراوي — صفحة 8513
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥١٣