تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8516

مساهمون:

ص٨٥١٦
{ سُلْطَاناً . . } [ الإسراء : 33 ] أي : شرعنا له ، وأعطيناه الحقَّ والقوة في أنْ يقتل القاتل ، والسلطان يكون في خدمة التنفيذ ، ويُمكّنه منه ، وكذلك المؤمنون أيضاً يقفون إلى جواره ، ويساعدونه في تنفيذ هذا الحكم ؛ لأن الأمر من الله قد يكون رادعه في ذات النفس ، لكن إنْ ضعُفَتْ النفس فلا بُدَّ لرادع من الخارج ، وهنا يأتي دور السلطان ودور المجتمع الإيماني الذي يُعين على إقامة هذا الحكم . إذن : جعل الحق سبحانه وتعالى سلطان القصاص لوليّ الدم ، فإنْ لم يكن له وليّ فإن السلطان ينتقل للحاكم العام ليتولى إقامة هذا الحكم ، لكن ما يُتعِب الدنيا حينما ينتقل حَقُّ القصاص إلى الحاكم العام طُول الإجراءات التي تُخرج الحكم عن المراد منه ، وتُذْكِي نار الحقد والغِلِّ والتِّرَة في نفسِ وليَّ الدم . فوليّ الدم وحده الذي يُعاني طول فترة التقاضي مع أناس لا يعنيهم أن تطولَ هذه الفترة أو تقصُر ؛ لأن طول فترة التقاضي تأتي في صالح القاتل ، حيث بمرور الأيام بل والسنين تبْرُد شراسة الجريمة في نفوس الناس ، وتأخذ طريقاً إلى طيّات النسيان . وبهذا تبهت الجريمة وتُنسَى بشاعتها ، وبدلَ أن يقف المجتمع ويفكر في القاتل وفي القصاص منه ، تتحول الأنظار والعواطف إلى النفس الجديدة التي ستُقتل ، وبذلك يتعاطف الناس معه بدل أن يتعاطفوا في إقامة القصاص عليه . لكن يجب أنْ يُقامَ القصاص قبل أنْ تبُردَ شراسة الجريمة في النفوس ، وتبهت وتفقد حرارتها .