يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه ، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلاً : لا تسيئوا للوالدين ، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه ، لماذا ؟
قالوا : لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات ، ولا يحتاج إلى دليل عقليّ ، وقولك : لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مَظنَّة الإساءة ، وهذا غير وارد في حَقَّهما ، وغير مُتصوَّر منهما ، وأنت إذا نفيتَ شيئاً عن مَنْ لا يصح أن ينفي عنه فقد ذَمَمتْه ، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع ، تنفي عنه شرب الخمر مثلاً فهل هذا في حقه مدح أم ذم ؟
لأنك ما قلتَ : إن فلاناً لا يشرب الخمر إلا إذا كان الناس تظنّ فيه ذلك . ومن هنا قالوا : نَفْي العيب عَمَّنْ لا يستحق العيب عَيْب .
إذن : لم يذكر الإساءة هنا ؛ لأنها لا تَرِد على البال ، ولا تُتصوّر من المولود لوالديه .
وبعد ذلك ، ورغم ما للوالدين من فضل وجميل عليك فلا تنسَ أن فضل الله عليك أعظم ؛ لأن والديك قد يَلِدانِك ويُسْلِمانك إلى الغير ، أما ربك فلن يُسلمك إلى أحد .
وقوله تعالى : { إِحْسَاناً . . } [ الإسراء : 23 ]
كأنه قال : أحْسِنوا إليهم إحساناً ، فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد .
وقوله تعالى : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [ الإسراء : 23 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8454
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٥٤