يعني : نحن الذين صنعناها وأقمناها . فكيف جعلها الله لنا ؟ .
نقول : وأنت كيف صنعتها ؟ ومِمَ بنيْتها ؟ صنعتَها من غابٍ أو خشب ، أو بنيْتها من طين أو طوب . . كل هذه المواد من مادةَ الأرض من عطاء الله لك ، وكذلك العقل الذي يُفكّر ويرسم ، والقوة التي تبني وتُشيّد كلها من الله .
إذن : { جَعَلَ لَكُمْ } إما أنْ يكون جَعْلاً مباشراً ، وإما أنْ يكون غير مباشر . . فالله سبحانه جعل لنا هذه المواد . . هذا جَعْل مباشر ، وأعاننا وقوّانا على البناء . . هذا جَعْلٌ غير مباشر .
لكن في أيّ الأماكن تُبنى البيوت ؟
البيوت لا تُبنَى إلا في أماكن الاستقرار ، التي تتوفّر لها مُقوّمات الحياة . . فقبل أن نُنظّم مدينة سكنية نبحث أولاً عن مُقوّمات الاستقرار فيها من مأكل ومشرب ومرافق وخدمات ومياه وصرف . . إلى آخره .
فإن وجدت هذه المقوّمات فلا مانعَ من البناء هنا . . فإذا لم توجد المرافق في الصحراء ومناطق البدو ، هنا لا يناسبها البيوت والبناء الدائم ، بل يناسبها :
{ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ . . } [ النحل : 80 ] . فنرى أهل البدو يتخذون من الجلود بُيُوتاً مثل الخيمة والفسطاط . . حيث نراهم كثيري التنقُّل يبتغون مواطن الكلأ والعشب ، ويرحلون طَلباً للمرعى والماء ، وهكذا حياتُهم دائمة التنقّل من مكان
تفسير الشعراوي — صفحة 8123
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨١٢٣