الداءات ، فكيف يكون هذا الشراب شفاءٌ لجميع الداءات على اختلاف أنواعها ؟ . . نقول : لأن هذا الشراب الذي أعدَّه الله لنا بقدرته سبحانه جاء مختلفاً ألوانه . . من رحيق مُتعدِّد الأنواع والأشكال والطُّعوم والعناصر . . ليس مزيجاً واحداً يشربه كل الناس ، بل جاء مختلفاً متنوعاً باختلاف الناس ، وتنوّع الداءات عندهم . . وكأن كل عنصر منه يُداوِي داءً من هذه الدَّاءات .
وقوله تعالى :
{ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل : 69 ] . التفكّر : أنْ تُفكّر فيما أنت بصدده لتستنبطَ منه شيئاً لستَ بصدده ، وبذلك تُثري المعلومات ؛ لأن المعلومات إذا لم تتلاقح ، إذا لم يحدث فيها توالد تقف وتتجمّد ، ويُصاب الإنسان بالجمود الطموحي ، وإذا أصيب الإنسان بهذا الجمود توقّف الارتقاء ؛ لأن الارتقاءات التي نراها في الكون هي نتيجة التفكُّر وإعمال العقل .
لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا حينما نمرُّ على ظاهرة من ظواهر الكون ، ألا نمر عليها غافلين مُعرضين ، بل نفكر فيها ونأخذها بعين الاعتبار . . يقول تعالى : { وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [ يوسف : 105 ] .
ففي الآية حَثٌّ على التفكّر في ظواهر الكون ، وفيها تحذير من الإعراض والغفلة عن آيات الله ، فبالفكر نستنبط من الكون ما نستفيد به .
تفسير الشعراوي — صفحة 8058
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٠٥٨