وكأن الآية تحمل مُقدّمة لتحريم الخمر الذي يستحسنونه الآن ويمتدحونه ؛ ولذلك يقول العلماء : إن الذي يقرأ هذه الآية بفِطنة المستقْبِل عن الله يعلم أن لله حُكْماً في السَّكر سيأتي .
كيف توصَّلوا إلى أن لله تعالى حُكْماً سيأتي في السَّكر ؟
قالوا : لأنه قال في وصف الرزق بأنه حسن ، في حين لم يَصِفْ السَّكر بأنه حسن ، فمعنى ذلك أنه ليس حسناً ؛ ذلك لأننا نأكل ثمرات النخيل ( البلح ) كما هو ، وكذلك نأكل العنب مباشرة دون تدخُّل مِنّا فيما خلق الله لنا .
أما أنْ نُغيّر من طبيعته حتى يصير خمراً مُسْكراً ، فهذا إفساد في الطبيعة التي اختارها الله لنا لتكون رزقاً حَسناً .
وكأنه سبحانه يُنبّه عباده ، أنَا لا أمتنُّ عليكم بما حرَّمْتُ ، فأنا لم أُحرِّمه بَعْد ، فاجعلوا هذا السَّكر كما ترونه متعةً لكم ، ولكن خذوا منه عبرة أَنِّي لم أَصِفْه بالحُسْن ؛ لأنه إنْ لم يكُنْ حَسَناً فهو قبيح ، فإذا ما جاء التحريم فقد نبهتكم من بداية الأمر .
ثم يقول تعالى :
{ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ النحل : 67 ] .
لأن العقل يقتضي أنْ نُوازِنَ بين الشيئين ، وأن نسأل : لماذا لم يوصف السَّكر بأنه حَسَن ؟ . . أليس معناه أن الله تعالى لا يحب هذا الأمر ولا يرضاه لكم ؟
إذن : كأن في الآية نيّة التحريم ، فإذا ما أنزل الله تحريم الخمر كان هذا تمهيداً له .
تفسير الشعراوي — صفحة 8048
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٠٤٨