تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3856

مساهمون:

ص٣٨٥٦
إذن فكما أن الرسول سيشهد بأنه بلغنا ، فمن صميم المنهج أن يشهد أتباعه أنهم بلغوا الناس ، فإن حدث تقصير في البلاغ إلى الناس ، فستكون المسؤولية على من اتبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يؤد أمانة الرسول عليه الصلاة والسّلام إلى الناس أجمعين . ومنهج الدعوة منهج صعب ؛ لأن الدعوة إلى اللّه تتطلب أن يأخذ الداعي يد الذين ينحرفون عن منهج السماء اتباعا لشهوات الأرض ، وشهوات الأرض جاذبة دائما للخلق ؛ لأنها تحقق العاجل من متع النفس . واتباع منهج الدين - كما يقولون - يحقق نفعا آجلا . وفي هذا القول ظلم للدين ؛ لأن الدين قبل أن يحقق للناس متعة آجلة ، فهو يحقق - أيضا - المتعة العاجلة ؛ لأن الناس إن تمسكوا بمنهج اللّه في « افعل ولا تفعل » يعيشون حياة طيبة لا حقد فيها ، ولا استغلال ، ولا ضغن ولا حسد ولا سيطرة ، ولا جبروت ، فيصبح الناس جميعا في أمان . إذن فلا تقولوا إن الدين ثمرته في الآخرة بل قولوا ليست مهمة الدين هي الآخرة فحسب بل مهمة الدين هي الدنيا أيضا ، والآخرة إنما هي ثواب على النجاح في هذه المهمة ؛ لأن اللّه إنما يجازى في الآخرة من أحسن العمل في الدنيا . ومن اتبع منهج اللّه كما قال اللّه
« فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً »
ومن أعرض عن منهج اللّه فإن له معيشة ضنكا . ويحدث ذلك قبل الآخرة ، ثم يأتي يوم القيامة ليتلقى العقاب من اللّه :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
( سورة طه ) فإذا كان الدين يأخذ بالناس من شهواتهم الهابطة إلى منهج اللّه العالي ، فتكون مهمة الداعي شاقة على النفس ، ولذلك قالوا : إن الناصح بالخير يجب أن يكون لبقا ؛ لأنه يريد أن يخلع الناس مما أحبوا وألفوا من الشر ؛ لذلك يجب على الداعي ألا يجمع عليهم إخراجهم مما ألفوا بأسلوب يكرهونه بل لا بد أن يثير جنانهم ورغبتهم في اتباع المنهج ، ولذلك جاءت هذه الآية :
تفسير الشعراوي — صفحة 3856 | محمد متولي الشعراوي