تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3853

مساهمون:

ص٣٨٥٣
الحق سبحانه وتعالى يعطينا قضية لا بد أن نستصحبها في تاريخنا الإيمانى ، والقضية هي : أن أىّ كافر لم يكفر قهرا عن اللّه ، وإنما كفر لأن اللّه أرخى له الزمام بالاختيار أي خلقه مختارا ، ولذلك فالكافر إنما يفعل كل فعل بما آتاه اللّه من الاختيار لا غصبا عن ربنا أو قهرا ، بدليل أن الكون الذي نحيا فيه مقهور بالأمر ، لا يمكن أن يختار إلا مراد اللّه منه ، وكل ما في الكون يسير إلى مراد اللّه . إذن فمن كفر لم يكفر قهرا عن اللّه ؛ لأن طبيعة الاختيار ممنوحة من اللّه . وحين اختص اللّه الإنسان بالاختيار وضع المنهج الذي يرتب عليه الثواب والعقاب . ولذلك نزل التكليف ب « افعل » و « لا تفعل » . وسبحانه إن أراد قهرا فقد قهر كل الأجناس في الكون ؛ قهرها بطول العمر ، وأنها تؤدى مهمتها كما أراد اللّه منها ، إنّه قهر الشمس ، وقهر القمر ، وقهر النجوم ، وقهر الماء ، وكل حاجة في الكون مقهورة له حتى الملائكة خلقهم :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ
( من الآية 6 سورة التحريم ) إذن صفة القهر أخذت متعلقها كاملا . ولكن أيريد اللّه من خلقه أن يكونوا مقهورين على ما يريد ؟ لا ، بل يريد سبحانه أن يكونوا فاعلين لما يحبه ، وإن كانوا مختارين أن يفعلوا ما لا يحبه ، كأن خلق القهر في الأجناس كان لإثبات طلاقة القدرة ، وأنه لا يمكن لمخلوق أن يشذ عن مراد اللّه منه . وبقي الاختيار في الانسان ليدل على أن أناسا من خلقه سبحانه يذهبون إليه جل وعلا وهم قادرون ألا يذهبوا إليه ، وهذه تثبت صفة المحبة . وحين يختار المختار الطاعة ، وهو قادر ألا يطيع ، ويختار الإيمان وهو قادر أن يكفر فقد جاء إلى اللّه محبة لا قهرا ، ولذلك يقول ربنا لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
تفسير الشعراوي — صفحة 3853 | محمد متولي الشعراوي