تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3846

مساهمون:

ص٣٨٤٦
ويأتي عالم آخر ممن انفعلوا بصفات اللطف ، فيقول : الذي يجازيك إن وفيت ، ويعفو عنك إن قصرت ، وعالم آخر يضيف إلى معاني اللطف فيقول : من افتخر به أعزه ، ومن افتقر إليه أغناه ، وعالم ينفعل انفعالا آخر بمظاهر اللطف فيقول : من عطاؤه خير ، ومنعه ذخيرة . . أي أنه لو منع عبده شيئا فإنه يدخره له في الآخرة ، كل هذه مظاهر للطف ، وهذا مناسب لقوله الحق :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
إن لطفه سبحانه يتغلغل فيما لا نستطيع أن ندركه ، وحين تحلل أنت أي أمر قد لا تصل إلى فهم النعمة ، وإن وصلت فأنت لا تقدر أن تؤدى الحمد على تلك النعمة . وقوله الحق :
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
مناسب لكلمة « خبير » ، ونحن في حياتنا نسمع كلمة « خبير » فعندما نقابل أي مشكلة من المشكلات نجد من يقول : نريد أن نسمع رأى الخبير فيها ، وفي القضاء نجد القاضي يستدعى خبيرا ليكتب تقريرا في أمر يحتاج إلى من هو متخصص فيه وعليم به ، إذن فالخبير في مجال ما هو الذي يعرف تفاصيل الأمر ، فما بالنا بالخبير الأعلى الذي لا يستعصى عليه شئ في ملكه ، وهو الذي يدرك الأبصار ، فقوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
يناسبها قوله : « لطيف » تماما كما أن
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
يناسبها « خبير » ، وهذا ما يسمونه في اللغة « لف ونشر » وهو أن يأتي بأمرين أو ثلاثة ثم يأتي بما يقابلها ، مثال ذلك قوله الحق :
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
( من الآية 73 سورة القصص ) فمن مظاهر رحمته بنا سبحانه أن جعل لنا الليل والنهار ، ثم قال :
لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
( من الآية 73 سورة القصص ) لنسكن في الليل ، ونبتغي فضله في النهار ، وهذا اسمه - كما قلنا - « لف ونشر » .