إن في الآخرة قضايا يتفق الجميع على أنها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا الآن في الأكل والشرب ، والتخلص من الفضلات ، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ولكن لن توجد فضلات ؛ لأنك أنت الآن تطهى وتهضم ، وفي الهضم أنت تأخذ بعض الطعام ويبقى منه فضلات لا بد أن تخرج ، لكن الطهى والهضم في الآخرة ب « كن » وليس له فضلات ، إنه طعام بقدرة القادر ، في الجنة كل ما تريده ستناله دون أن ينفد ، وفي الدنيا أي شئ يؤخذ منه ينقص ، أما في الآخرة فلا شئ ينقص لأن له مددا من القيومية .
ويعقب الحق سبحانه وتعالى بعد القضيتين :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
فيقول :
« وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
ولطيف تناسب
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
و « خبير » يناسب
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
ولطيف لها معنى خاص ، فالشىء اللطيف يستعمل في دقيق التكوين - وللّه المثل الأعلى - إن الميكروب لم نعرفه إلا مؤخرا لأنه بلغ من اللطف والدقة بحيث لا تدركه العين ، لكن عندما اخترعنا الميكروسكوب رأيناه ، وإن دق الميكروب عن ذلك فلن نراه ، وقد اكتشفنا « الفيروس » ونحاول معرفة المزيد عن خصائصه ، إذن كلما دق الشئ يلطف ولا يمكن أن نراه ، فالشىء إذا لطف شرف وعلا ونقول - ولله المثل الأعلى - : فلان لطيف المعشر ، والحق سبحانه لطيف في ذاته ويلطف بعباده .
إنك ساعة ما تسمع « لاطف » فهذا اسم فاعل ، مثلها مثل « آكل » ، وحين نقول : « لطيف فهي مبالغة في اللطف ؛ لأنه لاطف بكل إنسان وكل كائن وهذا يحتاج إلى مبالغة ، ولذلك نقول : رحيم ، وهي صيغة مبالغة ؛ لأنه يسبغ رحمته على عباده ، وأول مظهر من مظاهر اللطف ، هو تدبير أمورهم الدقيقة تدبيرا يحقق مصالحهم في وجودهم . إننا حين ندير كوب ماء لكل إنسان ندبر الكثير فما بالنا بتدبير اللطيف بعباده ؟
لقد خلق لنا الأرض ثلاثة أرباعها ماء ، والربع يابس ، لأنه جل وعلا يريد أن يوسع رقعة الماء لأن المياه كلما اتسعت رقعتها ، كان البخر فيها أسهل وأكثر ، لكن لو كانت المياه عميقة ومساحتها قليلة فالبخر يكون على مستوى السطح فقط ، وهنا لا يأتي السحاب بما يكفى الخلق من