تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3843

مساهمون:

ص٣٨٤٣
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
( من الآية 143 سورة الأعراف ) إذن فاللّه يتجلى لبعض خلقه ، أما أن يراه الخلق في الدنيا فلا ؛ لأن تكويننا غير مؤهل لأن يرى الحق ، بدليل أن الأصلب والأقوى منا وهو الجبل حينما تجلى ربه عليه اندك . فلما اندك الجبل خر موسى صعقا ، فإذا كان موسى قد خر صعقا لرؤية المتجلّى عليه وهو الجبل فكيف لو رآه ؟ ! إذن فهو غير معد له . لقد اختلف العلماء عند هذه الآية ، وتجلّى خلافهم إلى أبعد حد ؛ فمنهم مجيز للرؤية ، ومنهم منكر لها ، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع ؛ لأنهم تكلموا عن الرؤية ، والكلام هنا عن نفى الإدراك ، والإدراك إحاطة ؛ والرؤية تكون إجمالا ، إنما الإحاطة ليست ممكنة ، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك متحدان في المفهوم نقول : لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة ؟ لو أن الخلاف في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاما جميلا ، ولكن الخلاف جعلتموه في الآخرة . إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم اللّه على المؤمنين ، وهي زيادة في الحسنى عليهم ، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من العقوبة لهم ونقول - أيضا - : لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا ؟ لأننا في هذه الدنيا معدّون إعداد أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعدادا لغير أسباب . أنت هنا إذا أحببت أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب ، وحين تريد أن تأكل الشئ الفلاني ، تقول لأهل البيت : اصنعوا لي كذا أو تشترى ما تريده ، إنما هناك في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك ، وهذا قانون جديد لا ارتباط له بقانون الدنيا ، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضا قانون يمكن به أن نرى اللّه وفي إطار ليس كمثله شئ ؟